الراغب الأصفهاني
250
الذريعة إلى مكارم الشريعة
من العلم على مقدار ما يحتاج إليه « 1 » من هو في مرتبته في عبادة اللّه العامية ، وأن تملأ نفسه من الرغبة والرهبة الوارد بهما القرآن ولا تولد له الشبه والشكوك . فإن اتفق لبعضهم اضطراب نفس إما بانبعاث شبهة تولدت له ، أو ولدها له ذو بدعة دفع إليه فتاقت نفسه إلى معرفة حقيقتها فحقه أن يختبر أولا فإن وجد ذا طبع للعلم موافق وفهم ثاقب وتصور صائب خلى بينه وبين التعلم وسوعد عليه بما يوجد من السبيل إليه ، وإن وجد شريرا في طبعه أو ناقصا في فهمه منع أشد المنع ففي اشتغاله بما لا سبيل له إلى إدراكه مفسدتان : ( 1 ) تعطله عما يعود بنفع منه إلى العباد والبلاد ، ( 2 ) واشتغاله بما يثير منه شبهة وليس فيه له منفعة وقد كان بعض الأمم المتقدمة إذا ترشح أحد منهم ليتخصص بمعرفة الحكم وحقائق العلوم والخروج من جملة العامة إلى الخاصة اختبر فإن لم يوجد خيرا في خلقه أو ( وجد ) غير متهيء للتعلم منعه أشد المنع وإن وجد خيرا ومتهيأ للتعلم شورط على أن يقيد بقيد في دار الحكمة . ويمنع أن يخرج حتى يحصل له العلم أو يأتي عليه الموت ، ويزعمون أن من شرع في حقائق العلوم ثم لم يبرع فيها تولدت له الشبة وكثرت فيصير ضالا مضلا فيعظم على الناس ضرره وبهذا النظر قيل : نعوذ باللّه من نصف متكلم .
--> ( 1 ) في ط « ما هو » والصواب من لأنها للعاقل كما يقول النحاة .